Category Archives: سياسة

نريدها دولة مؤسسات قوية

لا أفهم إصرار القوي المدنية على ربط حكم الاخوان المسلمين لمصر بتحويلها إلى دولة دينية، بالرغم من أن الاخوان ذكروا مرارا وتكرارا أنهم يريدونها دولة مدنية ذات مؤسسات قوية ومسئولة، كما أنه لا يوجد في الاسلام ما يسمى بالدولة الدينية، وأن تجربة إيران وباكستان لا يمكن تطبيقها في مصر لاختلاف الشخصية المصرية عن مثيلتها في كلا البلدين السابقين، وتاريخ مصر يشهد بذلك، فعلى مدار تاريخها القديم والحديث لم تنشأ بمصر أي دولة دينية بالرغم من أن الظروف في أحيان كثيرة كانت مواتية لذلك، فأيام ما كانت مصر تحت الحكم الروماني المسيحي لم تكن مصر دولة دينية يحكمها الكهنة والرهبان مثل ما كان يحدث في دول أوربا، وعندما فتحها عمرو بن العاص وأصبحت مصر تحت الحكم الاسلامي، لم ينشأ بها دولة دينية إسلامية لأن الاسلام لا يعرف هذا الحكم الرباني، وفي العصر الحديث عندما زاد نفوذ علماء الدين وتأثيرهم على الناس ودورهم في تحرير مصر من الاستعمار مثل السيد عمر مكرم، لم يستأثر علماء الدين بالحكم وسلموه لمحمد على ولم تتحول مصر لدولة يحكمها رجال الدين، وهكذا حتى ولو حكم مصر الاخوان المسلمون فلن تتحول أبدا إلى دولة دينية بمعناها المعروف وذلك لعدة أسباب هي كالآتي:

1. الاخوان المسلمون هم مدنيون بالطبع والشكل والتعليم، فهم غير متخصصين في علوم الدين.

2. وجود مؤسسة الأزهر – وهي المؤسسة الدينية الوحيدة التي تمثل الاسلام وتعبر عن وسطيته – هي المؤسسة الوحيدة التي تتكلم في الدين ويسمع لها، وبذلك نضمن ألا يحتكر أحد التحدث باسم الدين.

3. الشعب المصري سواء مسلم أو مسيحي متدين بطبعه ويعتبر الدين جزء من حياته، لذلك لا غضاضة أن تكون المرجعية الاسلامية التي تحترم كل الاديان الاخرى هي مرجعية لمن يحكم.

4. الأخطاء التي ارتكبها الاخوان المسلمون كانت وما زالت أخطاء سياسية لا علاقة لها بالدين، وهذه الأخطاء ناتجة عن العمل في جو سياسي جديد بعد عقود من الكبت والقهر، فطبيعي أن يتعثر من يخرج للنور بعد ظلام وظلم طويل.

5. زيادة وعي الشعب المصري وارتفاع مستوى الثقافة السياسية والقانونية لديه، وهذا يجعله يرفض القبول بأي شكل من أشكال الذل والهوان، وأن يثور على الظلم والطغيان وأي من أشكال احتكار السلطة، وميدان التحرير باق كرمز وشاهد على ذلك.

فليحكم الاخوان المسلمون مصر الأربع سنوات القادمة ولنرى ماذا يفعلون، هل يستطيعون تطوير البلاد والعباد، فإن استطاعوا ساعدناهم ووقفنا بجانبهم، وإن لم يستطيعوا كنا لهم بالمرصاد وغيرناهم بمن يستطيع، وأنا أقدر الآراء الاخري التي تختلف مع هذا الرأي طالما أننا جميعا متفقين على ثوابت وقيم وأهداف محددة للنهوض بمصر، فطالما أن الغاية واحدة وهي نهضة مصر فالاختلاف في الوسائل وارد دون أن يفسد للود قضية،

ولكن أكثر ما أخشاه هو أن يكون إصرار الرافضين لحكم الاخوان المسلمين هو رفض وعدم إيمان بأن الاسلام منهج حياة أو أنه خوف من قيم وثوابت يريدون التحرر والتخلص منها وخاصة أن معظم الرافضين والخائفين من حكم الاخوان هم من الاعلاميين والفنانين والمبدعين الذين نحترم مهنيتهم وابداعهم الهادف ولكننا نرفضه إذا هم شطحوا به بعيدا عن العرف والقيم والثوابت واشتروا به ثمنا زهيدا بإثارة الغرائز والفتن وتدمير القيم.

أنا لا أعلم النوايا فعلمها عند الله، ولكن لي الظاهر أحكم به، كما أنني دائما ما أحسن الظن بالآخرين وأبحث عما يجمعنا ولا يفرقنا، وأعتقد أننا جميعا نتفق ” نريدها دولة مؤسسات قوية ومسئولة “